الشيخ محمد رشيد رضا

397

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المباح إلى القدر المحظور ، الخ ما أطال به في وصف نظر الشهوة ومفاسده ثم قال إن الغالب في استعمال البغي أن يكون في حقوق العباد والاستطالة عليهم ، وأنه إذا ن بالعدوان كان البغي ظلمهم بمحرم الجنس كالسرقة والكذب والبهت والابتداء بالأذى - والعدوان تعدي الحق في استيفائه إلى أكبر منه ، فيكون البغي والعدوان في حقهم كالاثم والعدوان في حدود اللّه ( قال ) فههنا أربعة أمور : حق للّه وله حد ، وحق لعباده وله حد ، فالبغي والعدوان والظلم تجاوز الحدين إلى ما وراءهما ، أو التقصير عنهما فلا يصل اليهما اه 5 - الشرك باللّه وهو معروف وقد بينا أنواعه في مواضع من هذا التفسير ، ومن المعلوم بالضرورة انه أبطل الباطل فلا يمكن أن يقوم عليه حجة من العقل ، ولا سلطان من الوحي ، والسلطان الحجة البينة لان لها سلطة على العقل والقلب فقوله تعالى ( وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً ) بيان للواقع من شركهم ، وتكذيب لهم في مضمون قولهم ( 6 : 148 لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا ) الآية « 1 » ونص على أن أصول الايمان ، يجب أن تكون بوحي من اللّه مؤيد بالبرهان ، فهو كقوله تعالى ( وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ ) الآية ، ولا يكون هذا الداعي إلا كذلك . ولكنه تعالى عظم شأن الدليل والبرهان في دينه ، وناط به تصديق دعوى المدعي وردها ، بصرف النظر عن موضوعها ، حتى كأن من جاء بالبرهان على الشرك يصدق به ، وهو من فرض المحال ، للمبالغة في فضل الاستدلال ، وقد قال في سياق إقامة البراهين على توحيده ( 27 : 65 أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ ؟ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) على أنه صرح بأنه ليس لديهم برهان فيما أقام على كذبهم فيه البرهان ، وكيف يكون لديهم ما هو في نفسه محال ، كقوله ( 10 : 68 وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا ، أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ ) وإن هنا نافية أي ما عندكم أدنى دليل بهذا القول الفظيع الذي تقولونه مع أن ما تبطل البراهين والآيات البينة مثله يحتاج مدعيه إلى أقوى البراهين والحجج وأعظمها سلطانا على العقول ، ولما كان منهم من قد يعترف بأنه قول لا تقوم عليه حجة من العقل بل لا يتصور العقل وجوده ولكنه يدعي أنه قد ورد به النقل عن الأنبياء وان المسيح ادعاه لنفسه قال ( أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ ) وهذه الآية تناسب

--> ( 1 ) راجع ص 176